القارئ بوصفه شريكًا في المعنى
المعنى لا يُسلَّمُ جاهزًا من النصّ إلى القارئ؛ إنّه يُصنَعُ في اللقاء بينهما، حيث يصيرُ القارئُ شريكًا لا متلقّيًا.
اعتدنا أن نتصوّرَ القراءةَ فعلًا أحاديَّ الاتّجاه: نصٌّ يمنحُ، وقارئٌ يتلقّى. لكنّ هذا التصوّرَ يُبسّطُ ما هو أعقدُ بكثير. النصُّ لا يكتملُ على الورق؛ إنّه يظلّ مشروعًا مفتوحًا حتى تمرّ عليه عينُ قارئٍ يُحيِيه، ويملأُ فجواته، ويُنطِقُ صمتَه.
المعنى يُصنَعُ، لا يُستقبَل
بين ما كتبه المؤلّف وما يقرأه القارئ مسافةٌ خصبة؛ فيها تتشكّلُ الدلالة. القارئُ لا يستخرجُ معنًى مدفونًا في النصّ كما يُستخرجُ كنزٌ من الأرض، بل يُشارِكُ في إنتاجه: يأتي بتاريخه وذاكرته وأسئلته، فيُضيءُ من النصّ ما لم يكن المؤلّفُ نفسُه يراه بالضرورة.
هذا لا يعني أنّ النصّ يقبلُ كلَّ تأويل، ولا أنّ المعنى فوضى بلا ضابط؛ بل يعني أنّ القراءةَ مسؤوليّةٌ مشتركة. النصُّ يضعُ الحدود، والقارئُ يملأُ الفضاء داخلها. وحين يعي القارئُ دورَه هذا، تتحوّلُ القراءةُ من استهلاكٍ سلبيّ إلى فعلٍ خلّاقٍ يليقُ بالأدب.
النصُّ نصفُ جملة؛ والقارئُ هو من يُكمِلها.