شعريّة الصدمة: كيف يكتبُ الجرحُ نفسه؟
حين يعجزُ الكلامُ المباشرُ عن حمل الفاجعة، يبتكرُ الأدبُ شعريّةً خاصّةً تنبعُ من العطب لا من الاكتمال.
ثمّة حدٌّ يقفُ عنده الكلامُ العاديّ عاجزًا: حين تكونُ التجربةُ أكبرَ من اللغة التي نملكها لوصفها. عند هذا الحدّ لا يصمتُ الأدب، بل يُغيّرُ طريقته؛ يتخلّى عن السرد المتّصل، ويلجأُ إلى الشذرة والتكرار والفجوة، كأنّ النصّ نفسه قد أصيب بما أصاب صاحبه.
الجرحُ بوصفه شكلًا
الصدمةُ لا تُروى كما وقعت؛ إنّها تُقاوِمُ الحكاية المرتّبة. لذلك تتبدّى في النصّ لا موضوعًا يُتحدَّثُ عنه، بل قوّةً تُعيدُ تشكيلَ البنية: زمنٌ يتكسّرُ، وصوتٌ يتلعثم، وذاكرةٌ تعودُ إلى المشهد نفسه دون أن تقدرَ على تجاوزه. هكذا يصيرُ العطبُ منهجًا، ويصيرُ الصمتُ ذاته علامةً دالّة.
من هنا تُولَدُ شعريّةُ الصدمة: جماليّةٌ لا تبحثُ عن الجمال في الاكتمال، بل في القدرة على قول ما لا يُقال. إنّها لا تُجمِّلُ الألم، لكنّها تمنحُه لغةً تحفظُه من النسيان، وتُحوّلُ الضحيّةَ من موضوعٍ صامتٍ إلى ذاتٍ تُنتِجُ معناها الخاصّ.
لا يُشفى النصُّ من الجرح؛ إنّه يتعلّمُ أن يتكلّمَ منه.