كل المقالات
الشتات5 سبتمبر 2025·1 دقائق قراءة

الشتات وصناعة المرويّة المضادّة

في مواجهة سرديّةٍ رسميّةٍ تسعى إلى محو الشاهد، يبني أدبُ الشتات مرويّةً مضادّةً تُعيدُ للمنفيّ صوتَه.

لكلّ فاجعةٍ كبرى روايتان: روايةُ من كتبها بيده، وروايةُ من كُتِبت عليه. التاريخُ الرسميّ يميلُ إلى الأولى؛ يُرتّبُ الأحداثَ بما يخدمُ المنتصر، ويترك الشاهدَ خارج النصّ. وهنا، في هذا الفراغ بالذات، يتدخّلُ الأدب.

أن تكتبَ لئلّا تُمحى

أدبُ الشتات ليس بكائيّةً على المكان المفقود فحسب؛ إنّه فعلُ مقاومةٍ في مستوى المعنى. حين يكتبُ المنفيُّ ذاكرتَه، فهو لا يستعيدُ الماضي فقط، بل يُنتِجُ مرويّةً مضادّةً تُنازِعُ الروايةَ المهيمنة، وتُثبِتُ أنّ ما جرى قد جرى فعلًا، وأنّ للضحيّة لغةً وصوتًا وحقًّا في أن تروي.

من الرواية إلى السيرة إلى الشهادة، يبني الأدبُ أرشيفًا موازيًا لا تحرسُه الدولةُ بل الذاكرة؛ أرشيفًا هشًّا لكنّه عنيد، يحفظُ التفاصيلَ الصغيرةَ التي تسقطُ عادةً من السرديّة الكبرى: رائحةُ بيتٍ، اسمُ حارةٍ، وجهٌ لم يعُد. في هذه التفاصيل بالذات تُقيمُ المقاومةُ الحقيقيّة.

المرويّة المضادّة لا تطلبُ الانتصار؛ تطلبُ فقط ألّا يُمحى الشاهد.

كل المقالات